صديق الحسيني القنوجي البخاري
295
فتح البيان في مقاصد القرآن
لغة بعض العرب أو هي التفصيلية وجوابها مقدرة وقيل انتصب شاكرا وكفورا بإضمار كان والتقدير سواء كان شاكرا أو كان كفورا . ولما كان الشكر قل من يتصف به قال شاكرا ، ولما كان الكفر كثيرا من يتصف به ويكثر وقوعه عن الإنسان بخلاف الشكر قال كفورا بصيغة المبالغة ، كذا في النهر أو هو مراعاة لرؤوس الآي . ثم بين سبحانه ما أعد للكافرين فقال : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً قرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر سلاسل بالتنوين ووقف قنبل عن ابن كثير وحمزة بغير ألف ، والباقون وقفوا بالألف ، ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كونه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو إما شاكرا وإما كفورا ، وما بعده وهو أغلالا وسعيرا منون أو على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف كما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين عن بعض العرب . قال الأخفش : سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها ، قال الفراء هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه ، وقيل إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف ، وقيل إن هذا التنوين بدل من حرف الاطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف . والسلاسل قد تقدم تفسيرها ، والخلاف فيها هل هي القيود أو ما يجعل في الأعناق كما في قول الشاعر : ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل « 1 » والسلاسل جمع سلسلة أي يشدون ويسحبون بها في النار ، والأغلال جمع غل تغل به الأيدي إلى الأعناق ، وقد تقدم تفسير السعير وهي نار مهيجة يعذبون بها . ولما أوجز في جزاء الكافرين ذكر ما أعده للشاكرين وأطنب تأكيدا للترغيب فقال : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ الأبرار أهل الطاعة والإخلاص والصدق جمع برأو بار ، قال في الصحاح : جمع البر الأبرار ، وجمع البار البررة ، وفلان يبر خالقه ويبرره أي يطيعه ، وقال الحسن : البر الذي لا يؤذي الذر ، وقال قتادة : الأبرار الذين يؤدون حق اللّه ويوفون بالنذر ، وقيل هم الصادقون في إيمانهم المطيعون لربهم الذين
--> ( 1 ) صدره : فليس كعهد الدار يا أم مالك والبيت من الطويل ، وهو لأبي خراش الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 1223 ، ولسان العرب ( عهد ) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 43 .